روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

9

عرائس البيان في حقائق القرآن

ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ : موكولين إلى حولكم وقوّتكم وكثرتكم ، فلما رأى تقصيرهم بصرف عيونهم عن مشاهدة اللّه إلى أنفسهم طرفة عين ، وندموا على ذلك ، ورجعوا بعد الامتحان إلى ساحة الرحمن ألبسهم اللّه أنوار قربه ، وكساهم سنا قدرته وهيبته ، ولذّت قلوبهم بحسن عنايته حتى قويت بها في احتمالها أثقال عبوديته « 1 » ، [ تفسير الآية 26 ] وبيّن ذلك بقوله سبحانه : ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ : والإشارة فيه إلى أن قلب نبيّه صلى اللّه عليه وسلم كان لم يخل أيضا من شواهد امتحانه ؛ لأنّ الحق حق ، والخلق خلق ؛ ولذلك قال : أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ . كان عليه الصلاة والسلام في مثل ذلك يقول : « إنه ليغان على قلبي ، وإني لأستغفر اللّه في اليوم سبعين مرة » « 2 » . سَكِينَتَهُ : زيادة أنوار كشف مشاهدة اللّه له حين خاف من مكر الأزل ، فأراه اللّه اصطفائيته الأزلية ، وأمنه من مكره لا أنه ينظر من الحقّ إلى نفسه طرفة عين ، لكن إذا غاب في بحار القدم لم ير للحدث أثرا ، ورأى الحدثان متلاشية في قبض بطش العظمة ، ففزع منه به ، فاواه اللّه منه إليه حتى سكن به عنه سكينته بالدنو ، حيث قال : ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى [ النجم : 8 ] ، وثباته بدنوّ الدنو ، بقوله تعالى : فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى [ النجم : 9 ] ، فلمّا وصفه بالمرتبة الأعلى ، والمشاهدة الأدنى ، وسكينة قربه الأصفى ، زاد في وصفه حين لم ير في مشاهدة القدم ما خرج من العدم ، بقوله : ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [ النجم : 17 ] سكينته كانت من رؤية الذّات ، وسكينة المؤمنين من رؤية الصفات . قال بعضهم : السكينة التي أنزلها اللّه على رسوله صلى اللّه عليه وسلم هي التي أظهر عليها ليل المسرى عند سدرة المنتهى ، فما زاغ ، وما طغى ، بل السكينة إقامة مقام الدنوّ ، بحسن الأدب ناظرا إلى الحقّ ، مستمعا منه ، مثنيا به عليه ، بقوله : « التحيات للّه » « 3 » . والسكينة التي نزلت على المؤمنين ، هي سكون قلوبهم إلى ما يأتيهم به المصطفى صلى اللّه عليه وسلم من

--> ( 1 ) قال القشيري : يعني نصركم يوم حنين حين تفرّق أكثر الأصحاب ، وافترت أنياب الكرّة عن نقاب القهر فاضطربت القلوب ، وخانت القوى أصحابها ، ولم تغن عنكم كثرتكم ، فاستخلص اللّه أسراركم - عند صدق الرجوع إليه - بحسن السكينة النازلة عليكم ، فقلب اللّه الأمر على الأعداء ، وخفقت رايات النصرة ، ووقعت الدائرة على الكفار ، وارتدّت الهزيمة عليهم فرجعوا صاغرين . ( 2 ) تقدم تخريجه . ( 3 ) رواه البخاري ( 1 / 286 ) ، ومسلم ( 1 / 301 ) .